هذا المحتوى معتمد على المعرف الكلاسيكي: data:blog.pageType == "item"

صوت الأذان المُزعج!

عمار مطاوع: صوت الأذان المُزعج!

صوت الأذان المُزعج!
عمار مطاوع

2m
Time
376w
Words
0
Views

لطالما كان يزعجني مكبر صوت الجامع المجاور لمنزل العائلة.. كان مكبر الصوت مُعلقا تماما على شرفة غرفتي، وكانت الغرفة ترتج مع كل مرة يصدح فيها المؤذن بنداء الصلاة، فأستقبله بهمهات سخطٍ تُضيع أجر الصلاة قبل أداءها.. وأزداد غضبا حين تستقبل أمي هذا كله بتعليق غريب: يا بني صوت الأذان دا وَنس!

لم يكن لكلمة "الوَنس" معنى واضحا في خاطري آنذاك.. في بيت العائلة، تستيقظ كل يوم على صوت بائع الحاجيات وهو ينادي على بضاعته.. تشتري أمك اللبن "الصابح" من جارتنا الفلاحة التي يعلن عن قدومها صوت الجواميس الصائحة.. وتحرق أطراف أصابعك حرارة قراطيس الطعمية الساخنة من عربة الفول السيّارة على منازلنا طارقة الأبواب بابا بابا..

في بيوت كتلك، أنى لك أن تدرك معنى الوَنس وأنت في زحام دائم به!.. لا يدرك الناس المعنى إلا إذا غاب.. كل تلك الأصوات لم تكن بالنسبة لي إلا ضوضاء مزعجة، وكانت أقصى آمالي آنذاك أن أرحل عنها، إلى حيث لا نسمع إلا صوت النسيم خاليا.. تماما كحياة الأغنياء في التلفاز!

لكن، بعد سنوات الارتحال، في كل مرة يهاتفني صديق من شرفة بيته في البلدة، تزاحم أصواتنا تلك الضوضاء التي أعرفها.. ثم شيئا فشيئا، يغيب صوت محدثي عن مسامعي، وأتوه في تفاصيل أصوات الخلفيّة.. وهنا فقط، تلمس تماما معنى الوَنس أول مرة!

"إزيك يا أم أحمد"، "معاك فكة عشرة يا حج"، "بكام البطاطس"، "روبابيكيا"، "توفي إلى رحمة الله تعالى"، "صباح الفل"، "أجيبلك شاي"، "هيا غليت تاني"، "صباحك زي العسل".

قرآن محمد رفعت، طرقعة ملعقة شاي فوق طرف الكوب، موتور "توكتوك" مزعج يمر، زجاجة كوكاكولا تُفتح، وهزات أسورة ذهبية في يد أمرأة ريفية تمد يدها في صدرها لاستخراج حقيبة مالها..

في الغربة، تجد الونس في أصوات الخلفية.. تستحيل في خاطرك ضوضاء الماضي كأنها الوطن ذاته، روحك، طفولتك الحانية وأيام رخائك.. شيء ما ضاع منك على سلم الطائرة، ثم لم تجده مرة أخرى.. إجابة واضحة حين يسألك أحدهم عن أمنيتك في بلاد الغربة.. أن تعود فقط إلى أيام تلك الضوضاء.

اليوم، في كل مرة أهاتف أمي، ثم يصدح صوت الأذان فوق شرفة غرفتي القديمة، أطلب إليها الصمت لحظات حتى أسمعه بوضوح.. وفي خاطري نداء أعرف تماما من أين جاء: يا بني صوت الأذان دا وَنس!

© 2026 DESIGNZ.APP · Built in Doha

التعليقات (0)