هذا المحتوى معتمد على المعرف الكلاسيكي: data:blog.pageType == "item"

رشيد غلام وهذه البلاد القاسية

محمد طلبة رضوان: رشيد غلام وهذه البلاد القاسية

رشيد غلام وهذه البلاد القاسية
محمد طلبة رضوان

3m
Time
504w
Words

لم يكن يريد أكثر من أن يغنّي، لكن يبدو أنّ هذا في بلادنا كثير. كانت فكرته أن يقدّم برنامجاً عن الغناء العربي في مائة عام، من بداية الربع الأخير من القرن التاسع عشر إلى بداية الربع الأخير من القرن العشرين. أن يقدّم مشروعات المطربين والملحّنين، غناءً وتحليلاً ونقداً، بأصوات معاصرة، وكان يراهن أنّ هذه الألوان "الأصيلة"، كما يحبُّ أن يصفها، ما زالت (وستظلّ) حاضرةً، وأنّ لها جمهوراً يمكن أن يتّسع لو بدأنا باستعادتها، ثمّ تجديدها، بدلاً من تبديدها لصالح ألوان أخرى لا تحمل أصواتنا، ووافق التلفزيون العربي، وتحمّس للفكرة ولرشيد، وبدأ العمل.
كان رشيد يحبّ أن يُصوّر في القاهرة، ففيها (وفق رؤيته) أفضل الموسيقيين، وأفضل الظروف الإنتاجية، لكنّ مصر الرسمية في ذلك الوقت (2019) منعته من الدخول، وذلك لدعمه المُعلَن لثورات الربيع العربي، ومنها ثورة يناير (2011)، فاختار رشيد أن يصوّر في إسطنبول. وذهب بالفعل، وسبقه فريق العمل، لكنّ تركيا الرسمية أيضاً منعته من الدخول، لأنّه مُعارض مغربي، وثمّة تنسيق بين أنقرة والرباط يحول دون دخوله. في بلادنا، تختلف الأنظمة في كلّ شيء، إلا في الخوف من صوت لا تملكه.

ذهبنا إلى بيروت، وصوّرنا الموسم الأوّل من برنامج "مقامات". 30 حلقةً من التحليق في سماوات الغناء العربي حين كان يعرف نفسه، أنجزنا الحلقات في 11 يوماً. كان رشيد يصوّر في اليوم الواحد حلقتَين وثلاث حلقات، ويغنّي مع الضيوف في الحلقات كلها، ويغنّي في البروفات، وقبل التصوير وأثناءه وبعده، ويغنّي في الشارع، وفي المقهى، وفي المواصلات، ولا يكفّ عن الغناء والنقاش والتحليل والمقارنات، سمعه سائق سيارة أجرة لبناني عجوز وهو يدندن في الكنبة الخلفية لحن أغنيةٍ لفريد الأطرش، فأنصت، ثمّ قال لي: والله صاحبك هذا أحسن من فريد، لماذا لا يغنّي؟ وضحكنا…
تقول له "أصالة"، في برنامجها "صولا"، إنّ لقاءها به حلم قد تحقّق، ورشيد بمعايير السوق ليس نجماً مثلها، لكنّ أصالة المطربة (قبل النجمة) تعرف ما الغناء، ومن ثمّ تعرف من رشيد، فتقرّ له ببعض حقّه، وهو المطرب الفذّ، ذو الصوت الاستثنائي "القدير"، والخيال "المرعب"، كما وصفه يوماً سليم سحاب.

رحلة إلى القاهرة

ذهب رشيد إلى القاهرة في بداية مشواره، وسمعته رتيبة الحفني وهو يغنّي أمّ كلثوم، وتحمّست له، وقدّمته إلى الغناء على مسرح الأوبرا المصرية، ثم سمعه أحد أبرز المنتجين في مصر والوطن العربي، وقدّم له عرضاً كفيلاً بأن يحمله على أجنحة الذيوع والانتشار في سنوات قليلة، لكنّ العرض كان مشروطاً بألا يتدخّل رشيد في اختيار الكلمات والألحان، باختصار: "سيب نفسك"، وسنصنع منك نجماً. ورفض رشيد، رفض أنّ يغنّي وهو ساكت، فهو يريد النجاح والشهرة والثراء، لكن من دون أن يكون ذلك كلّه ثمناً لحرّيته. لم يرفض رشيد الطريق، لكنّه رفض الطريقة، رفض أن يكون عبداً مشهوراً، وفضّل أن يكون مغموراً حرّاً، يغنّي ما يريد، وكما يريد، لا كما يريد منتجٌ ذو خيال فقير يتصوّر خطأً أنّ "الجمهور عايز كده".

"

بعد أن أغلقت بلادنا القاسية أبوابها أمام صوته، وهو الذي لم يطلب سوى أن يغنّي حرّاً، هذه فكرته ومهنته وتهمته، بلاد يهدّدها الغناء، أيّ بلاد تلك؟ وأيّ أنظمة؟ وأيّ أجهزة؟ وأيّ سلطات؟

— رشيد غلام في مذاكرته
© 2026 DESIGNZ.APP · Built in Doha

التعليقات (0)